الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
71
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهنّ بالأمر بحسن المعاشرة معهنّ ، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدّم من النهي ، لأنّ حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه ، وزائد بمعاني إحسان الصحبة . والمعاشرة مفاعلة من العشرة وهي المخالطة ، قال ابن عطية : وأرى اللفظة من أعشار الجزور لأنّها مقاسمة ومخالطة ، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد وهو عدد العشرة . وأنا أراها مشتقّة من العشيرة أي الأهل ، فعاشره جعله من عشيرته ، كما يقال : آخاه إذا جعله أخا . أمّا العشيرة فلا يعرف أصل اشتقاقها . وقد قيل : إنها من العشرة أي اسم العدد وفيه نظر . والمعروف ضدّ المنكر وسمّي الأمر المكروه منكرا لأنّ النفوس لا تأنس به ، فكأنّه مجهول عندها نكرة ، إذ الشأن أنّ المجهول يكون مكروها ثمّ أطلقوا اسم المنكر على المكروه ، وأطلقوا ضدّه على المحبوب لأنّه تألفه النفوس . والمعروف هنا ما حدّده الشرع ووصفه العرف . والتفريع في قوله : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ على لازم الأمر الذي في قوله : وَعاشِرُوهُنَّ وهو النهي عن سوء المعاشرة ، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية . وجملة فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا نائبه مناب جواب الشرط ، وهي عليه له فعلم الجواب منها . وتقديره : فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق ، لأن قوله فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سبب خيرات فيقتضي أن لا يتعجّل في الفراق . و فَعَسى هنا للمقاربة المجازية أو الترجّي . أَنْ تَكْرَهُوا ساد مسدّ معموليها ، وَيَجْعَلَ معطوف على تَكْرَهُوا ، ومناط المقاربة والرجاء هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه ، بدلالة القرينة على ذلك . وهذه حكمة عظيمة ، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصّل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي . وبعضه قد علم اللّه أنّ فيه خيرا لكنّه لم يظهر للناس . قال سهل بن حنيف ، حين مرجعه من صفّين « اتّهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول اللّه أمره لرددنا . واللّه ورسوله أعلم » . وقد قال تعالى ، في سورة البقرة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] .